في ليلة فنية لافتة شهدتها بيروت، افتتح مسرح مونو عروض المسرحية الجديدة “الوحش” وسط حضور فني وإعلامي كثيف، في عمل يعيد إحياء نص عالمي برؤية لبنانية مشحونة بالأسئلة الوجودية والإنسانية، ويضع الجمهور أمام مواجهة مباشرة مع العزلة والخوف والرغبة في النجاة عبر الحب.
المسرحية الجديدة “الوحش” على مسرح مونو
العمل من توقيع المخرج اللبناني جاك مارون، وبطولة كارول عبّود ودوري السمراني، وهو مقتبس عن نص الكاتب الأميركي العالمي جون باتريك شانلي بعنوان Danny and the Deep Blue Sea، بترجمة أرزة خضر.

في “الوحش”، لا يتعامل جاك مارون مع النص بوصفه اقتباساً تقليدياً، بل يعيد تفكيكه وبنائه ليصبح أقرب إلى الإنسان اللبناني بكل هشاشته وقلقه. تدور الأحداث داخل فضاء مغلق يشبه الحانة، حيث يلتقي رجل وامرأة على هامش الحياة، يحمل كل منهما عبئه النفسي وتجربته القاسية مع العالم.

منذ اللحظة الأولى، لا يكون اللقاء ودياً أو عادياً، بل صداماً بين عالمين من الألم، سرعان ما يتحوّل تدريجياً إلى مساحة اعترافات متبادلة، تكشف طبقات من العنف الداخلي والخوف والاحتياج العاطفي.
مسرح المواجهة لا الترفيه
يعتمد الإخراج على تحويل الخشبة إلى مساحة مواجهة نفسية مكثفة، حيث لا يوجد “أمان” بصري أو عاطفي للجمهور. فالمشاهد يجد نفسه أمام شخصيات محطّمة، لكنها حقيقية إلى حدّ الإرباك، ما يجعل التجربة المسرحية أقرب إلى مرآة تعكس هشاشة الإنسان أكثر مما تقدّم حكاية تقليدية.
يواصل جاك مارون في هذا العمل خطّه المسرحي القائم على تفكيك الشخصيات المهمّشة، والغوص في تناقضاتها بين العنف والرغبة في الحب، وبين الدفاع عن الذات والانهيار الداخلي.
أداء تمثيلي على حافة الانفجار
يشكّل الأداء التمثيلي أحد أهم أعمدة العمل. تقدم كارول عبّود شخصية “بيرتا” بحضور مكثّف يوازن بين القوة المتعبة والانكسار الداخلي، فيما يجسّد دوري السمراني شخصية “داني” بطاقة مشحونة بالغضب والضياع، في أداء يقوم على التوتر العالي والانفعالات غير المتوقعة.
بين الممثلين تنشأ علاقة مسرحية دقيقة، تتأرجح بين الصدام والاقتراب، بين النفور والحاجة، ما يمنح العرض ديناميكية مستمرة لا تهدأ طوال الوقت.

المسرحية ليست جديدة بالكامل، إذ سبق أن قُدّمت للمرة الأولى عام 2019 في إطار ورشة عمل خاصة قبل أن تتوقف بسبب الأزمات التي شهدها لبنان. اليوم، تعود إلى خشبة مسرح مونو في بيروت كعرض مكتمل، وكأنها ولادة ثانية لنص ظلّ ينتظر لحظة مناسبة ليُعرض أمام جمهور أوسع.
هذه العودة تمنح العمل بعداً إضافياً، إذ يتحوّل من تجربة مسرحية مؤجلة إلى حدث ثقافي يعكس إصرار المسرح في بيروت على الاستمرار رغم الظروف.

“الوحش” بين العتمة والإنسان
لا يقدّم العرض إجابات جاهزة، بل يفتح أسئلة عميقة حول الإنسان حين يُدفع إلى الحافة: ماذا يبقى منه؟ وكيف يمكن للحب أن يولد من قلب العنف والرفض والوحدة؟
في النهاية، يثبت “الوحش” أن المسرح لا يزال مساحة حيّة قادرة على لمس أكثر مناطق الإنسان هشاشة، وأن الحكايات التي تأتي من الهامش قد تكون الأكثر صدقاً وتأثيراً.

