هل تغنّي إليسا عن الحب كما عاشته فعلاً، أم تروي حكايات نساء يشبهنها في تجاربهنّ وخيباتهنّ؟ وهل تخبّئ أغنيات ألبومها الجديد “أليسار” اعترافات شخصيّة بين السطور؟
أسئلة يطرحها الإصدار الجديد للنجمة اللبنانية التي اختارت أن تحمل ألبومها الرابع عشر اسمها الحقيقيّ، في خطوة تبدو أبعد من مجرّد اختيار فنّي. فـ “أليسار” ليس مجموعة أغنيات عن الحبّ والفراق فحسب، بل مساحة تُعيد فيها إليسا تقديم المرأة بصورة مختلفة؛ امرأة تحبّ وتشتاق وتنجرح، لكنّها لا تقبل أن تكون ضحية، ولا تتردّد في استعادة ذاتها وفرض خياراتها.
بين الاعترافات العاطفية المحتملة والرسائل التي تنتصر لقوّة المرأة واستقلاليتها، تقدّم النجمة عملاً يطرح تساؤلات حول علاقتها بتجارب الحبّ، ويكسر الصورة النمطية للمرأة التي تُختصر دائماً بالانتظار والتضحية والانكسار.
وهذه المرّة، يبدو أن الحكاية ليست عن الحبّ وحده… بل عن المرأة التي تعلّمت كيف لا تخسر نفسها بسببه.

اختارت إليسا أن تحمل تجربتها الجديدة اسمها الحقيقي، أليسار زكريا خوري، في خطوة تحمل دلالة شخصية وفنية، وكأنها تعلن عن مرحلة تتصالح فيها مع ذاتها، وتمنح صوتها مساحة أوسع للتعبير عن أفكارها ومشاعرها بعيداً عن القوالب الجاهزة. فالألبوم، الذي صدر في 5 تشرين الثاني 2026، يأتي بعد عامين من التحضير، ليشكّل محطة جديدة في مسيرتها، عنوانها الاستقلالية الإبداعية والعودة إلى جوهر الموسيقى.
“أليسار”.. المرأة ليست صورة نمطية في حكايات الحبّ
ما يميّز الألبوم ليس فقط تنوّع موضوعاته الموسيقية، بل الصورة المختلفة التي يرسمها للمرأة. فهي هنا ليست دائماً الطرف الذي ينتظر أو يسامح أو يتمسّك بعلاقة على حساب كرامته، بل امرأة تحبّ بشغف، وتتألّم وتغضب لكنها تعرف أيضاً متى تضع حداً للأذى وتختار نفسها.
من خلال أغنيات العمل، تتنقّل إليسا بين مشاعر الحبّ والخذلان والاشتياق والمواجهة، لتقدّم شخصيات نسائية متعدّدة، لا تختصرها تجربة عاطفية واحدة. ففي “هبطل أحب” و”سهلة الأذية” تظهر فكرة التحرّر من العلاقات المؤذية، بينما تحمل “كشف الحساب” مواجهة صريحة مع الخيانة، وتكشف “الأوضة الضالمة” الجانب المعقّد من التعلّق الذي قد يتحوّل إلى قيد.
في المقابل، لا يتخلّى الألبوم عن الجانب الرومانسي الذي ارتبط باسم إليسا، إذ تحضر مشاعر الحنين والفرح والاحتواء في “بدي ياك” و”اعطيني غمرة” و”وعدني” و”وشي نوّر”.
وهنا تكمن خصوصية “أليسار”: المرأة لا تتخلّى عن الحب كي تكون قوية، ولا تفقد قوتها لأنها أحبّت، بل تمتلك حرية أن تعيش مشاعرها كما تريد، وأن تختار الاستمرار أو الرحيل من دون أن تتنازل عن ذاتها.

14 أغنية.. عودة إلى هوية إليسا الموسيقية
يضم الألبوم 14 أغنية تتوزّع بين تسع أغنيات باللهجة المصرية، وأربع باللهجة اللبنانية، وأغنية خليجية بعنوان “شتا الرياض”، وهي أوّل أغنية أصلية لإليسا باللهجة الخليجية.
وفي اختيار لافت، طرحت إليسا الأغنيات جميعها دفعة واحدة، من دون أن تسبق الإصدار بأغنية منفردة أو فيديو كليب، تاركةً للجمهور حرية اكتشاف العمل وتحديد الأغنيات الأقرب إليه.
وتستعيد التجربة ملامح البوب العربي الذي ارتبط ببدايات الألفية، لكن برؤية أكثر نضجاً، تحافظ على الهوية الغنائية لإليسا وتمنحها مساحات جديدة للتعبير.
مروان خوري وتامر عاشور وعزيز الشافعي.. أسماء بارزة في الألبوم
يجمع “أليسار” نخبة من أبرز صنّاع الأغنية العربية، في مقدّمهم الفنان مروان خوري، الذي يتجدّد تعاونه مع إليسا من خلال ثلاث أغنيات لبنانية هي “اعطيني غمرة” و”مطارات” من كلماته وألحانه، و”بدي ياك” من كلمات علي المولى وألحان خوري.
كما يُشارك تامر عاشور في تلحين “هبطل أحب” و”وشّي نوّر”، من كلمات نادر عبد الله، فيما يقدّم عزيز الشافعي ألحان “كشف الحساب” و”الأوضة الضالمة”، إلى جانب كتابة وتلحين الأغنية الأخيرة.
ويحضر أيضاً محمد رفاعي وأحمد إبراهيم في “يبليك بالحب”، وملاك عادل ومحمد يحيى في “ليل يا ليل”، وأحمد راؤول وأحمد زعيم في “سهلة الأذية”، وأمير طعيمة ووليد سعد في “احتمال”، وسهام الشعشاع وأيمن قميحة في “وعدني”، وأحمد المالكي ومحمد يحيى في “ما تلاقيناش”.
أما “شتا الرياض”، فتحمل كلمات عبد الله الملحم وألحان رامي الشافعي وتوزيع عمر صباغ، لتضيف لوناً خليجياً جديداً إلى التجربة الغنائية.
استقلالية فنية وشراكة عالمية من تايمز سكوير
لا تقتصر خصوصية الألبوم على مضمونه، بل تمتد إلى طريقة إنتاجه وتسويقه. فهو ثاني ألبوم تنتجه إليسا بالكامل عبر شركتها الخاصة E-Records، بالتزامن مع إطلاق شراكتها الأولى مع Believe Artist Services، في خطوة تعزّز استقلاليتها الفنية وتفتح أمام أعمالها آفاقاً أوسع للوصول إلى الأسواق العالمية.
وشهدت حملة الإطلاق تعاوناً مع Spotify ضمن مبادرة EQUAL Arabia، التي تسلّط الضوء على المرأة في صناعة الموسيقى، وتُوّجت بظهور إليسا على لوحة إعلانية في ساحة تايمز سكوير في نيويورك. كما تتواصل الحملة عبر منصة أنغامي ضمن برنامج Anghami Elite.
وعلى المستوى التقني، استعانت إليسا باستوديو Bernie Grundman Mastering في مرحلة المعالجة الصوتية النهائية، وهو اسم ارتبط بأعمال عالمية بارزة لفنانين مثل مايكل جاكسون وبرينس.
إليسا.. مشاعر الحب نفسها ولكن برؤية امرأة مختلفة
منذ انطلاقتها مع ألبوم “بدي دوب” عام 1998، ارتبط اسم إليسا بالأغنية العاطفية التي وجدت طريقها إلى جمهور واسع في العالم العربي. لكن “أليسار” يبدو أقرب إلى مراجعة فنية وشخصية لهذه الرحلة، حيث لا تتخلّى عن الرومانسية التي صنعت هويتها، بل تعيد تقديمها من منظور امرأة تغيّرت بفعل التجارب وأصبحت أكثر وعياً بقيمتها وبحدودها واختياراتها.
إنه ألبوم عن الحب بكل تناقضاته، لكنه أيضاً عن المرأة التي ترفض أن تُختصر بحكاية عاطفية، وتتمسّك بحقها في أن تكون صاحبة القرار في حياتها.
وفي «”أليسار”، لا تعلن إليسا نهاية حكايات الحب، بل تطرح لها مفهوماً مختلفاً: أن تحبّ المرأة بكامل قلبها، من دون أن تخسر نفسها.
وفي النهاية، يبقى السؤال: إلى أي مدى تشبه حكايات “أليسار” تجربة إليسا الشخصية؟ وهل اختارت هذه المرة أن تترك شيئاً من قصتها الحقيقية بين كلمات الأغنيات وألحانها؟
قد لا تكون كل الحكايات اعترافات مباشرة، لكن اختيار اسمها الحقيقي عنواناً للألبوم، والرسائل التي تحملها أغنياته عن الحب والخذلان والتحرّر، يفتحان الباب أمام قراءة أكثر شخصية للتجربة. وربما يكون “أليسار” أكثر من مجرد ألبوم جديد؛ إنه فصل تكتب فيه إليسا صورتها بنفسها، كامرأة لا تخجل من مشاعرها، لكنها لم تعد تسمح لها بأن تحدّد هويتها أو خياراتها.
