277
في السنوات الماضية، باتت عيادات الجهاز الهضمي تعجّ بمرضى لا يجدون تفسيرًا لأعراضهم: آلام بدون سبب واضح، انتفاخ مزمن، إسهال أو إمساك متكرر، رغم أن التحاليل الطبية سليمة. غالبًا ما يُعدّ قلة النتائج الطبية دافعًا للطبيب لتوسيع دائرة السؤال نحو الحالة النفسية. فهل يمكن للضغط النفسي أو القلق أن يصبح سببًا فعليًا لهذه الأعراض؟ الإجابة من العلم الحديث واضحة: نعم— فالتوتر يصل إلى المعدة عبر ما يُعرف بـ «محور الدماغ–الأمعاء»، فسنشرح لكم في هذا الموضوع عن اضطرابات الجهاز الهضمي النفسية.
اضطرابات الجهاز الهضمي النفسية
يُشير البروفيسور مايكل غرشون، رائد مجال «علم الأعصاب المعوية»، إلى أن الأمعاء تملك شبكة عصبية معقدة تحدث بشكل مستقل إلى حد كبير عن الدماغ المركزي، ما يجعلها تُعرف بـ «الدماغ الثاني». هذه الأعصاب تتواصل مع المخ عبر مسارات عديدة مثل العصب المبهم (vagus nerve) ، ما يرسّخ فكرة أن الجهاز الهضمي ليس عضوًا ميكانيكيًا منعزلًا، بل جزء من منظومة تواصل ثنائية الاتجاه.
الأمعاء: الدماغ الثاني
اضطرابات مثل القولون العصبي أو القصور الوظيفي الهضمي تُعرف بأنها أمراض وظيفية، بمعنى أن الأعراض حقيقية لكن لا تظهر في التصوير أو التحاليل المرضية الصريحة. التوتر النفسي يُحفّز محور HPA ويغير توازن الهرمونات والأعصاب، مما يؤثر بالسلب على حركة الأمعاء وبنيتها المتناهية الدقة.
عوامل تؤثر على اضطرابات الجهاز الهضمي
التوتر المزمن: تلعب الضغوط النفسية دورًا محوريًا في اشتداد أعراض القولون العصبي أو اضطرابات هضمية وظيفية أخرى.
تغييرات في الميكرو بيوم: الإجهاد النفسي يسبب اختلالًا في التوازن البكتيري داخل الأمعاء، ما يؤثر على وظائفها ويزيد من الحساسية والالتهاب.
أسلوب الحياة: قلة النوم، الإفراط في الكافيين، النظام الغذائي المعتمد على السكريات والمواد المصنعة، كلها تسهم في تفاقم الأعراض. التوصيات الحديثة تشدّد على الأكل الواعي (مثل مضغ الطعام ببطء والتنفس قبل الوجبات)، لما لذلك من دور في تعزيز تواصل “الاسترخاء” بين الدماغ والأمعاء.
مؤخرًا، وجدت مراجعة علمية أن العلاجات النفسية مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وتحسين السلوك الغذائي والنفسي قد تساعد في تقليل أعراض القولون العصبي وتحسين جودة الحياة—مما يعزز فكرة العلاج المزدوج بين الطب النفسي والطبي.
العلاج… لا ريب في شمولية المقاربة
اليوم، يتفق الأخصائيون على أن مواجهة اضطرابات الجهاز الهضمي النفسية يتطلب خطة متعددة العناصر:
⁃الجزء الطبي: مثل الأدوية المضادة للتشنج أو لتهدئة الحركة المعوية.
⁃العلاج النفسي: باستخدام تقنيات مثل CBT أو التأمل وتقنيات الاسترخاء.
⁃التغذية: دعم الأمعاء بالألياف والبروبيوتيك، وتبني أنماط أكل واعية.
-الحياة اليومية: تنظيم النوم، وممارسة الرياضة الخفيفة، وترسيخ تدابير التخفيف من التوتر.
هذه الحالات تثبت أن الجسد والعقل مترابطان بعمق؛ ألم المعدة قد يكون صوتًا لقلق النفس. التفهم الحقيقي لهذا البُعد البشري هو أول خطوة في طريق الشفاء، الذي لا يبدأ من المعدة وحدها، بل من راحة العقل والنفس.
