حين تُغلق المدارس أبوابها، لا يُغلق معها باب التعلّم… بل يُفتح سؤال كبير في الهواء: من يعلّم الأطفال معنى الاستمرار؟
في الصباحات التي كانت تضجّ بأصوات الطابور ووقع الأقدام الصغيرة، يسكن الصمت فجأة. السبّورات التي اعتادت أن تتنفس طباشير الأحلام تقف وحيدة، والمقاعد التي حملت أحلام الأطباء والمهندسين والشعراء تبدو كأنها تنتظر عودة الضحكة التي كانت تملأها حياة. لكن التعليم، في جوهره، لم يكن يومًا جدرانًا ولا جرسًا يعلن الحصص. التعليم فكرة… والفكرة لا تُغلَق.
حين تغيب المدرسة، يبدأ امتحان آخر لا يُقاس بالدرجات. امتحان الصبر. امتحان الأمل. امتحان القدرة على أن نُكمل الطريق حتى عندما تتعثر الخطوات. هنا يتقدّم الأهل إلى الواجهة، لا كبديل عن المعلّم، بل كشركاء في صناعة المعنى. تتحوّل طاولة الطعام إلى فصل دراسي، ويصبح السؤال اليومي: ماذا تعلّمنا اليوم؟ لا في كتابٍ فحسب، بل في الحياة.
الاستمرار ليس درسًا في الرياضيات ولا قاعدة في النحو. هو مهارة قلب. أن يتعلّم الطفل أن التوقف المؤقت لا يعني النهاية، وأن الانقطاع ليس فشلًا، بل فرصة لإعادة ترتيب الحلم. أن يفهم أن الطريق قد يلتفّ، لكنه لا يختفي.
كيف نُربي طفلًا قوي الشخصية؟ خطوات بسيطة تحدث فرقًا كبيرًا
في أوقات الإغلاق، يكتشف الأطفال وجوهًا أخرى للمعرفة. يتعلّمون من جدّة تحكي قصة صبر، من أبٍ يشرح معنى المسؤولية، من أمٍ تُصرّ على أن الغد أفضل مهما اشتدّ الظرف. يتعلّمون من نافذة يراقبون منها العالم، ومن كتابٍ يُفتح في زاوية هادئة، ومن تجربةٍ صغيرة في المطبخ تتحوّل إلى درس في الكيمياء والحياة معًا.
التعليم في الأزمات لا يكون حفظًا للمعلومات، بل حفظًا للمعنى. أن نزرع في الطفل يقينًا بأن العثرة ليست قدرًا دائمًا، وأن الظرف الطارئ لا يملك أن يسرق المستقبل. المدارس قد تُغلق لأسباب كثيرة، لكن رسالة التعلّم لا تُغلق إلا إذا استسلمنا لفكرة التوقف.
ولعلّ أعظم ما يمكن أن نمنحه لأطفالنا في مثل هذه اللحظات هو نموذج حيّ للاستمرار. أن يرونا نحاول، نتكيّف، نبحث عن حلول، ونؤمن بأن المعرفة طريق طويل لا تحدّه الأبواب. أن يدركوا أن الإنسان لا يُقاس بما يمرّ به من أزمات، بل بكيفية عبوره لها.
حين تُغلق المدارس أبوابها، يبدأ درسٌ أكبر من كل المناهج: درس الحياة. ومن يعلّم الأطفال معنى الاستمرار؟ نحن جميعًا… كل من يرفض أن تكون النهاية مكتوبة قبل أن نحاول من جديد. فالمدرسة قد تكون مبنى، لكن التعلّم روح. وإذا بقيت الروح يقِظة، فلن يغيب الضوء، حتى في أكثر الأيام عتمة.
