من الهوية إلى الإنسانية، تستكشف المصممة والفنانة رشا سواس في مجموعتها «كيان» سبع محطات في رحلة اكتشاف الذات، عبر تصاميم تمزج الأزياء المعاصرة بالخط العربي وفن الرسم على الجسد.
في مساحة تتقاطع فيها الموضة مع الفنون البصرية والأسئلة الإنسانية، اختارت الفنانة ومصممة الأزياء رشا سواس أن تقدّم مفهومًا مختلفًا للإبداع من خلال مجموعتها «كيان»، التي عُرضت في 17 أكتوبر 2026 ضمن أسبوع الموضة في لوكسمبورغ. ولم تكن المجموعة مجرّد استعراض لتصاميم مبتكرة، بل تجربة فنية تسلّط الضوء على الهوية الفردية، وصراع الإنسان مع الصور النمطية، ورحلته نحو التصالح مع ذاته.
وبين الحروف العربية والتكوينات ثلاثية الأبعاد والرسم على الجسد، تطرح سواس رؤية خاصة للأزياء، تجعل من الجسد وسيلة لسرد الحكايات، ومن الحرف العربي عنصرًا بصريًا يحمل أبعادًا تتجاوز الكتابة والزخرفة.
«كيان».. سبع محطات في رحلة الإنسان نحو ذاته
تستند المجموعة إلى سبع مراحل تعبّر عن التحوّلات التي يعيشها الإنسان في علاقته بنفسه وبالعالم المحيط به. وتنطلق الرحلة من التساؤل عن الهوية الحقيقية، قبل الانتقال إلى مرحلة التقليد ومحاولة التماهي مع توقعات الآخرين، ثم مواجهة الصراع الداخلي بين الصورة المفروضة والذات الحقيقية.
ومع تقدّم المراحل، تنتقل الفكرة إلى التحرّر واستعادة الاستقلالية، وصولًا إلى القوة والأثر الذي يتركه الإنسان في محيطه، لتختتم بالإنسانية بوصفها القيمة التي تجمع التجارب والاختلافات بعيدًا عن معايير الكمال المصطنع.
وتحمل المجموعة رسالة تدعو إلى النظر إلى الإنسان خارج القوالب الجاهزة، وتختصرها عبارة تعبّر عن فلسفتها: «لسنا نسخًا. لسنا كمالًا مصطنعًا. لسنا أخطاءً». وهي مقاربة تضع التجربة الإنسانية في صدارة العمل الفني، بدل الاكتفاء بالشكل الخارجي أو الانطباع البصري.
الخط العربي يخرج من الورق إلى عالم الأزياء
من أبرز ملامح مجموعة «كيان» توظيف الحروف العربية بأسلوب مبتكر، يحوّلها إلى تكوينات فنية مجسّمة تتفاعل مع تفاصيل التصميم وحركة الجسد. فالحرف هنا ليس إضافة جمالية إلى قطعة الملابس، بل مكوّن أساسي في بناء هويتها البصرية، يحمل دلالات تتصل بالانتماء والذاكرة والتعبير عن الذات.
ومن خلال الجمع بين الأزياء وفن الجسد والتصاميم النحتية ثلاثية الأبعاد، تفتح رشا سواس مجالًا جديدًا للتفاعل بين الخط العربي والفن المعاصر، مقدّمةً الحروف ضمن صياغة تجمع بين الأصالة والتجريب، وتمنحها حضورًا مختلفًا على منصة العرض.
ويبرز هذا التوجّه في فلسفة المصممة التي ترى أن العلاقة بين الحرف والملابس يمكن أن تتجاوز الاستخدام التقليدي للخط، وتتحوّل إلى تجربة فنية تمنح الحروف حياة من خلال الحركة والشكل والجسد.
الأسود والذهبي والأبيض.. ألوان تحمل دلالات المجموعة
اختارت سواس لوحة لونية ترتكز على الأسود والذهبي والأبيض، لتشكّل خلفية بصرية تنسجم مع موضوعات الصراع والتحوّل والقوة. وتمنح هذه الألوان التصاميم تباينًا واضحًا، فيما تتكامل العناصر الفنية لتقديم مشاهد تعبّر عن اختلاف الحالات النفسية والإنسانية التي تتناولها المجموعة.
كما تحضر الفراشة بوصفها رمزًا للتحوّل والتجدّد، في إشارة إلى قدرة الإنسان على تجاوز مراحله السابقة وإعادة اكتشاف نفسه. ويأتي هذا الرمز منسجمًا مع المسار الذي ترسمه «كيان»، من التساؤل والبحث إلى التحرّر والنضج، وصولًا إلى فهم أعمق للذات.
أكثر من 30 عامًا من الخبرة في الفنون والأزياء
تستند تجربة رشا سواس إلى مسيرة مهنية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، جمعت خلالها بين الفنون البصرية وتصميم الأزياء والرسم على الجسد، إلى جانب خبرتها في مجال المؤثرات الخاصة السينمائية.
وشهدت مسيرتها مشاركات في معارض فنية أوروبية ومهرجانات متخصصة بفن الجسد في النمسا وباريس ولوكسمبورغ، فضلًا عن تقديم عروض أزياء في لوكسمبورغ ودبي وسلطنة عُمان. وقد أسهم هذا التنوع في تشكيل أسلوبها الفني الذي يمزج بين تقنيات متعددة، ويمنحها مساحة لتجربة مواد وأشكال وأساليب تعبير مختلفة.
وفي مجموعة «كيان»، تلتقي هذه الخبرات ضمن مشروع واحد يجمع التصميم والفن والأداء البصري، ويحوّل عرض الأزياء إلى مساحة لطرح أفكار تتعلق بالهوية والاختلاف والعلاقة بين المظهر الخارجي والجوهر الإنساني.
رشا سواس: الملابس وسيلة لإحياء الحروف العربية
تعكس المجموعة توجّهًا ينظر إلى الموضة بوصفها وسيلة للتواصل والتعبير، لا مجرّد صناعة مرتبطة بالاتجاهات الموسمية. فالتصميم، وفق هذه الرؤية، قادر على نقل الأفكار والمشاعر وفتح حوار حول قضايا تمسّ تجربة الإنسان، فيما يمنح تداخل الفنون المختلفة العمل أبعادًا تتجاوز حدود القطعة المصمّمة.
وتعبّر سواس عن هذه الفلسفة بقولها: «لا أستخدم الحروف العربية لتزيين الملابس، بل أستخدم الملابس لإضفاء الحيوية على الحروف»، في عبارة تلخّص الطريقة التي تتعامل بها مع الخط العربي باعتباره جوهرًا إبداعيًا في تصاميمها.
