في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتزاحم فيه مشاهد الألم، اختارت فرقة “ميّاس” العالمية، الفائزة بجائزة America’s got talent، أن تُعبّر عن وجع لبنان بلغةٍ لا تحتاج إلى ترجمة: لغة الجسد والإحساس والفنّ الصادق. فلم تكن الرقصة مجرّد عرض بصري مبهر، بل كانت مرآةً نابضة لواقع وطنٍ يتأرجح بين الانقسام والأمل، بين الفوضى والتشبّث بالحياة.
عرض بصري مبهر لـ فرقة “ميّاس” العالمية عن وجع لبنان
منذ اللحظة الأولى، بدت كل حركة وكأنها رسالة مخفيّة، وكل تفصيل صغير يحمل دلالة عميقة. الأجساد التي تحرّكت بتناغمٍ مذهل لم تكن تؤدي خطوات راقصة فحسب، بل كانت تجسّد شعبًا يحاول النهوض رغم التعب وبلدًا يقاوم الانكسار بالفنّ والإبداع.
أما العبارة التي اختارتها الفرقة: “مَهْمَا ساوَرَتْنا الفِتَن، فَلْنَبْقَ كُلُّنا لِلوَطَن.” فجاءت كصرخة وطنية هادئة، تدعو اللبنانيين إلى التمسّك بما يجمعهم بدل الغرق فيما يفرّقهم، خاصّة مع العباءة التي ارتدتها الراقصة المطرّز عليها “10452” رمزاً لمساحة لبنان.
View this post on Instagram
تميّز العمل برؤية إخراجية متقنة قادها رئيس الفرقة، نديم شرفان، الذي استطاع أن يحوّل الألم اللبناني إلى لوحة فنيّة راقية، تجمع بين القوّة والشفافية. كما لعبت الموسيقى والصوت والإضاءة دورًا محوريًا في تكثيف المشاعر، فبدت الرقصة وكأنها قصيدة وطنية حيّة تُروى بالحركة بدل الكلمات.
اللافت في هذا العمل أنّه لم يعتمد على المباشرة أو الخطابات التقليديّة، بل اختار الرمزية الذكية والتفاصيل الدقيقة ليصل إلى القلوب بصدق. كل راقصة شاركوا وكأنهن يحملن جزءًا من ذاكرة هذا البلد، وجزءًا من وجعه وأحلامه. لذلك بدا الأداء حقيقيًا ومؤثرًا إلى حدٍّ كبير، لأنّه نابع من انتماءٍ صادق وشغفٍ واضح.
مرّة جديدة، تثبت فرقة ميّاس Mayyas أنّ الفنّ ليس للترفيه فقط، بل يمكن أن يكون موقفًا ورسالةً ووسيلة مقاومة راقية. وفي وقتٍ يحتاج فيه اللبنانيون إلى ما يعيد إليهم الإيمان بوطنهم، جاءت هذه الرقصة لتقول إن لبنان، رغم كل شيء، ما زال قادرًا على إنتاج الجمال.
